ابن المقفع
148
آثار ابن المقفع
فانظر الآن وابحث في ذات نفسك « 1 » ، هل ترى ضميرك يشهد لك أن الذي فعلته بالثور كان عدلا أم ظلما ؟ فقال الأسد إن صح ما تقولين فإني لم أقتل الثور إلا ظلما لأني قد بحثت في نفسي كما تقولين فلم أجد إلا ما يدل على براءة شتربة وقتله ظلما وبغيا « 2 » مكذوبا عليه من الأشرار . وإن كثرة البحث عن الأمور تحق الحق وتبطل الباطل ، وإن حديثك ليدل على مكنون « 3 » أمر . أفبلغك شيء عن هذا الأمر ؟ فقالت أم الأسد : إن أشدّ ما شهد امرؤ على نفسه ، وهذا خطأ عظيم كيف أقدمت على قتل الثور بلا علم ولا يقين . ولولا ما قالت العلماء من إذاعة الأسرار وما فيها من الإثم والشنار « 4 » ، لذكرت لك وأخبرتك بما علمت . فإن العلماء قد قالوا : إن أحمد الناس عاقبة في الدنيا والآخرة أكتمهم للسر . قال الأسد : إن أقوال العلماء لها وجوه كثيرة ومعان مختلفة ، فإنهم قد قالوا أيضا : من اطلع على ذنوب المذنبين فكتمها عن السلطان . فلم يعاقبوا على ذنوبهم ، عوقب هو يوم القيامة . وإن الذي أطلعك على هذا السر العظيم لم يطلعك عليه إلا لتعلميني به ، فأطلعيني على ما أسر إليك من ذلك وأخبريني به ولا تطويه عني . فأخبرته بجميع ما ألقاه إليها النمر من غير أن تخبره باسمه وقالت : إني لم أجهل قول العلماء في تعظيم العقوبة وتشديدها ، وما يدخل على الرجل من العار في إذاعة الأسرار ، ولكنني أحببت أن أخبرك بما فيه المصلحة لك . فقد قالت العلماء : إن فساد عامة الأشياء يكون من حالتين : إحداهما إفشاء السر والأخرى ترك عقوبة من يستوجب العقوبة ، ولإفشاء
--> ( 1 ) ذات نفسك : سريرتك المضمرة . ( 2 ) بغيا ، اعتداء ، ظلما . ( 3 ) مكنون : مستور . ( 4 ) الشنار : أقبح العيب .